Wednesday, 21 March 2012

سلسلة أعذار المتقاعسين الجزء الخامس


إن على رأس الأعذار التي يتعلل بها المتقاعسين ألا وهي الإنشغال بإبرازُ الشخصياتِ المتقاعسةِ وتعليلُ النفس بهم ، وأنه ليس الوحيدَ في هذا المجال الذي يقعد عن الدعوة إلى الله تعالى.
ونسي هذا الأخ المتقاعس بأنه سيدفن وحدَه ويبعثُ يوم القيامة وحده وسيقفُ بين يدي الله وحده وسيسأل وحده ، فيومئذ: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ} نسي هذا أنه في مضمار مسابقة والتنافس في مجال الخير. وقد لام الله تعالى القاعدين فقال سبحانه وتعالى: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم}.  ولو تأمل هذا الأخ في سيرة سلفه الصالح لوجد الجواب الكافي ، فلله درُّ الإمام إبراهيم الحربي حين قال عن الإمام أحمد: (ولقد صحبته عشرين سنةً صيفاً وشتاءً وحراً وبرداً وليلاً ونهاراً، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس).
وهذا الإمام حماد بن سلمة حيث يبرز كيف كان التنافس في الطاعه عند السلف حيث قال: (ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاعُ اللهُ فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعةِ صلاةٍ وجدناه مصلياً، وإن لم تكن ساعةُ صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو عائداً مريضاً، أو مشيعاً لـجَنَازة، أو قاعداً في المسجد، وكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله) ، ويذكر جرير بن عبد الحميد: أن سليمان التيمي لم تمر ساعةٌ قطُّ عليه إلا تصدقَ بشيء، فإن لم يكن شيءٌ، صلى ركعتين.فهذا هو حال سلفنا الصالح الذين أخلصوا دينهم لله ، فجعلوا همهم الأول والأخير هو العمل لهذا الدين وسخروا لهذا كل حياتهم ، رضي الله عنهم وارضاهم أجمعين. 
وهناك فريق أخر تقتله الحساسيةُ المرهفةُ من النقدِ أو اللومِ وتقف حائلا منيعا بينه وبين العمل لدين الله ، فالبعض لا يريدُ أن يلامَ أو يحاسبَ، أو ينتقدَ، فإذا واجه ذلك تأثرَ وانقطعَ عن العمل لدين الله وصد عنه ، إما بالشعور بالإحباطِ بأنه لا يحسنُ العمل ، أو أنه وصل إلى مقامٍ أو درجة من العلم التي معها لا ينبغي أن ينتقدَ، أو أن مثلَ فلان كيف يوجهُهُ وينتقدُهُ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . أين هذا من عمر رضي الله عنه حيث قال: رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا!. وهذا عمر بن عبد العزيز ـ الخليفة الراشد ، والتابعي العالم، والزاهد التقي، والإمام القرشي ـ تراه يقول لمولاه مزاحم: إن الولاةَ جعلوا العيونَ على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمةً تَربأُ بي عنها، أو فعلاً لا تحبُّه، فعظني عنده، وانهني عنه. ولله درُ بلال بن سعد لحيث قال لصاحبه: بلغني أن المؤمن مرآةُ أخيه، فهل تستريبُ من أمري شيئاً؟. وهذا ميمون بن مهران يقول: قولوا لي ما أكرهُ في وجهي، لأن الرجلَ لا ينصحُ أخاه حتى يقولَ له في وجهه ما يكره .
ومن زهرة ما قال بعض السلف: إن من حق العاقلِ أن يضيفَ إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقلِهِ عقولَ الحكماء، فالرأي الفذُّ ربما زلَّ، والعقل الفردُ ربما ضل.
 وهناك أناسٌ قد يتساقط بسبب أنه لا يُذكرُ عملُهم أو ينوهُ به أو يحمدون عليه ، وكأن عملَهم للناس وليس لله تعالى ، كأن لسان حاله يقول: ليس هنا أحدٌ يقدرُ الجهودَ أو ينظر في النتاج، أو يحترمُ العاملين، وما عندنا أحد ينزلُ الناسَ منازلَهم!!  وصدق الربيع بن خيثم رحمه الله حيث قال: كل ما لا يراد به وجهُ الله: يضمحل. وعلى نفس النهج نجد أن ابن الجوزي رحمه الله يقول: والصدقُ في الطلب منارٌ أين وجد يدلُّ على الجادة وإنما يتعثرُ من لم يخلص.
وهذا الإمام الجيلاني يقول: يا غلام: فقهُ اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوةً، السيرُ سيرُ القلب.قال تعالى: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا } روى حماد بن زيد عن أيوب قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينةَ، فإن قضى الله موتاً، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لأن يعذبني اللهُ بغير النار أحبُّ إلي من أن يعلمَ من قلبي أني أراني لذلك أهلاً.
 نوع أخر وإن شئت فقل أفة أخرى تتفشى بين المكاسلين عن اللحاق بركاب الدعوة ، حيث تراهم ينشغلون بتفريغُ الطاقة في التناجي بأن يناجي شخصاً بأن شيخَه ليس مؤهلاً، أو ليس عندَه برامجُ تواكبُ التطور للعصر الحديث ، أو لا جديدَ عنده يستطيع تقديمه ، فإذا وافقه صاحبُهُ على ذلك انتقل إلى آخر فيحدثه بمثل ذلك الحديث وهكذا دواليك.  وليس عنده بدائل يطرحُها ولا برامجُ يقترحها، وإنما حمله الحسدُ أو السآمةُ من العمل ، أو حبُّ الرياسة والظهور ، أو لا يريد أن ينقطعَ عن القافلة وحده. ولقد قال السري السقطي البغدادي: ما رأيت شيئاً أحبطَ للأعمال، ولا أفسدَ للقلوب، ولا أسرعَ في هلاك العبد، ولا أدومَ للأحزان، ولا أقربَ للمقت، ولا ألزمَ لمحبة الرياء والعجب والرياسة من قلة معرفة العبدِ لنفسه، ونظرِهِ في عيوب الناس.
والمسلم المتبصر بحقائق الأمور إن أراد أن يبحث في السبب الكامن وراء تنافر القلوب لوجد أنه لا يتعدى الأسباب التالية: فلتةُ لسان، أو هفوةٌ لم تغتفر، أو ظنٌّ متوهم. قال ابن القيم رحمه الله: من قواعد الشرع، والحكمة أيضاً، أن من كثرت حسناتُه وعظمت ، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره ، وعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث ، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماءِ القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من قتل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدراً، فدل على أن مقتضى عقوبتِهِ قائمٌ، لكن منع من ترتبِ أثرِهِ عليه ما له من المشهد العظيمِ، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات، وإنشئت فتأمل أخي الحبيب معي فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عثمان رضي الله عنه ، حينما حض النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقةَ العظيمةَ قال: ما ضر عثمانَ ما عمل بعدها، وإن أردت المزيد من الإمثلة فهاكم موقف سجله التاريخ لطلحة رضي الله عنه حيث قال له صلى الله عليه وسلم لما تطأطأ للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: أوجب طلحة مفتاح دار السعادة.
إعلم أخي المسلم ، أن حال الناس لا يخلو إلا من مسيء أومحسنٍ وكم من مسيء قد تلافى فأحسنا ، من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط ، من ذا الذي ترضا سجاياه كلُّها كفى المرءَ نبلاً أن تعد معايبُه.
أسأل الله تعالى ، أن يرزقنا صدق العمل لدينه القويم وأن يلهمنا رشدا ، وان يستخدمنا للدعوة لدينه ، وألا يستبدلنا هو ولي ذلك والقادر عليه ، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1 comment:

  1. المسلم المتبصر بحقائق الأمور إن أراد أن يبحث في السبب الكامن وراء تنافر القلوب لوجد أنه لا يتعدى الأسباب التالية: فلتةُ لسان، أو هفوةٌ لم تغتفر، أو ظنٌّ متوهم. قال ابن القيم رحمه الله: من قواعد الشرع، والحكمة أيضاً، أن من كثرت حسناتُه وعظمت ، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره ، وعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث ، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماءِ القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.

    ReplyDelete