كثير منا يقدم عمله في وظيفته كعذر
لتقاعسه عن الدعوة لدين الله فهو لا يعلم أنه بانشغاله بالوظيفة قد يذهبُ زَهرةُ
وقته فيها، ويتعذر دوما بأنه لا يستطيع أن يشاركَ في
عمل الخير او المساهمة في الدعوة الى الله ، ما دام عملُهُ هكذا، أو أنه يؤول وظيفتَهُ
ويحسبُها في إطار الدعوة ويخادع نفسه بذلك،
وهو في حقيقة أمره لا يقدم شيئا من الدعوة الى الله أو الأمر بالمعروف ولا النهي
عن المنكر، إن مما لاشك فيه أن الوظيفة من
أهم وسائل الدعوة وذلك إن تم استغلها وتوظيفها على الشكل الأمثل ، ومن أجمل ما قيل
في ذلك ، قول سفيان بن عيينة: من أصلح ما بينه وبين
الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه. ووالله
إنه لصدق المقالي لمن تدبره فوعاه فجعله دستورا في حياته لا يحيد عنه ، ولقد كان
لي صديق طبيب دائما الانشغالي في عمله ما بين مؤتمرات ومحاضرات ومراجعة للمرضى ،
يعمل ليله ونهاره ما بين جامعته وعيادته ومستشفاه ، سألته ذات مره: ماذا قدمت لدينك؟ هل قلت يوما لمريض: هل أنت
تؤدي الصلاة؟ هل ذكرته بمعاصيه الظاهرة؟ هل تحافظ
على الأوراد؟ من الشافي المعافي؟ إنه الله. كيف تطلب الشفاء ممن تبارزه بالمعاصي؟ ، فكأن هذا الأخ الطبيب انتبه
من غفلة، وما تصور أنه بإمكانه أن يخدم دينه ويساهم في
الخير بهذه البساطة.
وهكذا أخي المسلم كلنا دعاة من على
منابر وظائفنا فاغتنم وظيفتك وسخرها بابا مفتوحا للدعوة الى الله وإعلاء كلمته
سبحانه.ولنتمثل دوما قول الله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وفريق أخر يتعذر بأنه فاته القطارُ، وبأن
الدعوة تجددت وسائلُها التي كما أن الزمان قد تغير ، وأصبح لا يحسن العملَ في هذه الظروف ولا هذا المناخ
المتجدد والمتغير!
ولكن إذا ما تأملنا لكل ما يتعذر به
نجده نابع فقط من ضعفِ الشعورِ بالمسؤوليةِ، وتبلدِ الإحساس، وتجمدِ الحماس. فقد
ورد عن مالك بن دينار قوله: إن صدور
المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور،
والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله.
ولو كان قلب هذا المتعذر يغلي أو فيه شيء
من هم الآخرة لعرف كيف السبيل لخدمة دين الله .
وإن تعجب فلتعجب ممن تعذر عن العمل في
الدعوة بإفساح المجال للآخرين ، فهذا العذر يتعلل به كثير من المتقاعسين عن القيام
بواجبهم في الدعوة إلى الله ، وكأن المجال فيه ازدحامٌ،
حتى أصبح هو عقبةً في طرقِ الخير، وليت هذا المتعذر أفسحَ المجالَ للآخرين في طلب الرزق والوظيفة والتي عليها
قطاراتٌ من الناس ينتظرون وظيفتَهُ تشغر!.
قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ}، وقال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ
مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ}، وقال سبحانه في وصف المؤمنين: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ
لَهَا سَابِقُونَ}.
وكان عمر رضي الله عنه يحاول جاهداً
مسابقة أبي بكر رضي الله عنه في الخير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فمجموعُ
أمتِه ( يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ) تقومُ مقامَه في الدعوة
إلى الله، ولهذا كان إجماعُهم حجةً قاطعةً، فأمتُه لا تجتمعُ
على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله. وكلُّ واحدٍ من الأمةِ يجب عليه أن
يقومَ من الدعوة بما يقدرُ عليه إذا لم يقم به
غيرُه، فما قام به غيره: سقط عنه، وما عجز: لم يطالب به.
وأما ما لم يقم به غيرُه وهو قادرٌ
عليه، فعليه أن يقومَ به، ولهذا يجب على هذا أن
يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطتِ الدعوةُ على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد
الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن
واجب، فتنوعُ الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع أخرى.
وقد تبين بهذا أن الدعوةَ إلى الله تجبُ
على كل مسلم، لكنها فرضٌ على الكفاية، وإنما
يجب على الرجل المعينِ من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره، وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وتبليغِ ما جاء به الرسول، والجهادِ في سبيل الله،
وتعليم الإيمان والقرآن.
وقد تبين بذلك أن الدعوة نَفسَها أمرٌ
بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، فإن الداعي طالبٌ
مستدعٍ مقتضٍ لما دعا إليه، وذلك هو الأمر به، إذ الأمر هو طلب الفعل المأمورِ به، واستدعاءٌ له ودعاءٌ إليه،
فالدعاء إلى الله: الدعاء إلى سبيله، فهو أمر
بسبيله، وسبيلُه تصديقُه فيما أخبرَ، وطاعتُهُ فيما أمر.
ألا فليتقى الله أقوام ، وليعوا أهمية
الدعوة لدين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليكونوا من السباقين لها ،
المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وأخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين.
No comments:
Post a Comment